ابن كثير
120
تفسير القرآن العظيم ( تفسير ابن كثير ) ( بيروت )
وشهدنا ما شهدت ، فاستغضب المقداد ، فجعلت أعجب لأنه ما قال إلا خيرا ، ثم أقبل إليه فقال : ما يحمل الرجل على أن يتمنى محضرا غيبه اللّه عنه لا يدري لو شهده كيف يكون فيه ، واللّه لقد حضر رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم أقوام أكبهم اللّه على مناخرهم في جهنم لم يجيبوه ولم يصدقوه ، أو لا تحمدون اللّه إذ أخرجكم من بطون أمهاتكم لا تعرفون إلا ربكم مصدقين بما جاء به نبيكم قد كفيتم البلاء بغيركم ؟ لقد بعث اللّه النبي صلى اللّه عليه وسلم على أشد حال بعث عليها نبيا من الأنبياء في فترة جاهلية ، ما يرون أن دينا أفضل من عبادة الأوثان ، فجاء بفرقان فرق به بين الحق والباطل ، وفرق بين الوالد وولده ، إن كان الرجل ليرى والده وولده أو أخاه كافرا وقد فتح اللّه قفل قلبه للإيمان يعلم أنه إن هلك دخل النار ، فلا تقر عينه وهو يعلم أن حبيبه في النار ، وأنها التي قال اللّه تعالى : وَالَّذِينَ يَقُولُونَ رَبَّنا هَبْ لَنا مِنْ أَزْواجِنا وَذُرِّيَّاتِنا قُرَّةَ أَعْيُنٍ وهذا إسناد صحيح ، ولم يخرجوه . وقوله تعالى : وَاجْعَلْنا لِلْمُتَّقِينَ إِماماً قال ابن عباس والحسن والسدي وقتادة والربيع بن أنس : أئمة يقتدى بنا في الخير . وقال غيرهم : هداة مهتدين دعاة إلى الخير ، فأحبوا أن تكون عبادتهم متصلة بعبادة أولادهم وذرياتهم ، وأن يكون هداهم متعديا إلى غيرهم بالنفع ، وذلك أكثر ثوابا ، وأحسن مآبا ، ولهذا ثبت في صحيح مسلم عن أبي هريرة رضي اللّه عنه قال : قال رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم « إذا مات ابن آدم انقطع عمله إلا من ثلاث : ولد صالح يدعو له ، أو علم ينتفع به من بعده ، أو صدقة جارية » « 1 » . [ سورة الفرقان ( 25 ) : الآيات 75 إلى 77 ] أُوْلئِكَ يُجْزَوْنَ الْغُرْفَةَ بِما صَبَرُوا وَيُلَقَّوْنَ فِيها تَحِيَّةً وَسَلاماً ( 75 ) خالِدِينَ فِيها حَسُنَتْ مُسْتَقَرًّا وَمُقاماً ( 76 ) قُلْ ما يَعْبَؤُا بِكُمْ رَبِّي لَوْ لا دُعاؤُكُمْ فَقَدْ كَذَّبْتُمْ فَسَوْفَ يَكُونُ لِزاماً ( 77 ) لما ذكر تعالى من أوصاف عباده المؤمنين ما ذكر من الصفات الجميلة ، والأقوال والأفعال الجليلة ، قال بعد ذلك كله أُوْلئِكَ أي المتصفون بهذه يُجْزَوْنَ يوم القيامة الْغُرْفَةَ وهي الجنة ، قال أبو جعفر الباقر وسعيد بن جبير والضحاك والسدي : سميت بذلك لارتفاعها بِما صَبَرُوا أي على القيام بذلك وَيُلَقَّوْنَ فِيها أي في الجنة تَحِيَّةً وَسَلاماً أي يبتدرون فيها بالتحية والإكرام ، ويلقون التوقير والاحترام ، فلهم السلام وعليهم السلام ، فإن الملائكة يدخلون عليهم من كل باب : سلام عليكم بما صبرتم فنعم عقبى الدار . وقوله تعالى : خالِدِينَ فِيها أي مقيمين لا يظعنون ولا يحولون ولا يموتون ولا يزولون عنها ولا يبغون عنها حولا ، كما قال تعالى : وَأَمَّا الَّذِينَ سُعِدُوا فَفِي الْجَنَّةِ خالِدِينَ فِيها ما دامَتِ السَّماواتُ وَالْأَرْضُ [ هود : 108 ] الآية .
--> ( 1 ) أخرجه مسلم في الوصية حديث 14 .